الشارقة: علاء الدين محمود
الحب هو جوهر التجربة الصوفية، والتي هي في أصلها مسار عاطفي وجداني يبتغي تطهير النفس والسمو بها، وتجد تلك التجربة تعبيرها الأمثل في الشعر؛ لذلك كان أكبر أقطاب التصوف شعراء من أمثال: الحلاج، السهروردي، الجنيد، ابن الفارض، عبد القادر الجيلاني، رابعة العدوية، ذو النون، وابن عربي، وغيرهم من المتصوفة، والملاحظة الأهم أن هؤلاء قد استودعوا قصائدهم وأبياتهم الشعرية ومقولاتهم النثرية، خلاصة أفكارهم وفلسفتهم؛ لذلك في الأغلب تأتي نصوصهم الشعرية مغلفة بالغموض؛ لذلك يأبى شعر المتصوفة أن ينفتح إلا لأصحاب تجربة في المحبة، فهي تخاطب القلوب قبل العقول، ولعل غموض أشعار المحبة عندهم تجعل من النص الشعري شبيهاً باللوحة التشكيلية؛ حيث تتعدد التأويلات والتفسيرات والقراءات بحسب تجربة القارئ، وهنالك العديد من المدارس والاتجاهات في شأن الحب والعشق الصوفي، وكل مدرسة من تلك المدارس تعد سياحة روحية وجدانية تجيش عاطفة في محراب محبة الله سبحانه وتعالى، فتلك الأبيات والنصوص هي ما يقدمه العاشق في سبيل الارتقاء إلى مقام المحبة الخالصة والأنوار الدرية.
سيرة
ولئن غلب على شعر المتصوفة الغموض ونظم المطولات، فإن بعضاً منهم قد تميزت نصوصهم ببساطة المفردات والمعاني، كما جنحوا نحو نظم الأشعار القصيرة التي تعبر عن الموقف الآني، وتترجم الشعور اللحظي، ومن هؤلاء برز اسم القطب الصوفي الكبير «سمنون المحب»، وهو سمنون بن الحمزة الخواص، ويكنى أبو الحسن، ويقال أبو القاسم، وقد ولد بالبصرة، وعاش في بغداد وبقي فيها حتى وافته المنية عام 297ه 910 م، ويعد سمنون أحد الأشجار السامقة العالية في بستان الشعر الصوفي؛ بل وقد ذهب الكثيرون إلى أنه حامل لواء ذلك الضرب الشعري؛ لما حملته أبياته ونصوصه من ذكر الحب ومشتقاته، فقد كان شعره موقوفاً على المحبة لا يتعداه إلى سواها، فكان من المقدمين؛ إذ إن التجربة الصوفية نفسها هي في صميمها عاطفية، وقد اشتهر سمنون بنظم القصار من القصائد والتي تحمل البساطة والوضوح، وهي نصوص شديدة العذوبة، تحمل في حواشيها ومضامينها الأنوار والمدد، وكذلك تميزت بالصدق الشديد؛ لذلك وجدت قبولاً وصدى كبيراً وسط العامة، وتدور مواضيع نصوصه الشعرية حول الوجد والشوق والشكوى والنجوى والصبر والرجاء والعتاب، فقد كانت البلسم للناس فحفظوها وتناقلوها، وكذا الحال بالنسبة للمؤلفات والكتب الصوفية، والتي لم تخلو من أقوال وأشعار سمنون، والتي تمثل حالة متوهجة من الدفق الوجداني النقي العذب، والفيوض الروحية المتلألئة، ومن تلك الأشعار التي رددتها قلوب المسلمين في كل مكان، تلك التي يقول فيها:
أحنّ بأطراف النهار صبابةً
وبالليل يدعوني الهوى فأجيبُ
وأيامُنا تفنى وشوقي زائد
كأنّ زمان الشوق ليس يغيب
وقد كان قلبي خالياً قبل حبكم
وكان بذكر الخلق يلهو ويمزحُ
فلما دعا قلبي هواك أجابه
فلستُ أراه عن فنانك يبرحُ.
نذر
وتعد قصيدة «بكيت ودمع العين للنفس راحة»، من أجمل وأعذب القصائد الشعرية الصوفية، وهي قصيدة قصيرة بسيطة الكلمات واضحة المعاني والدلالات، يبث فيها الشاعر لواعج الشوق والعشق، ويبذل دموع الحب، ويعبر فيها عمّا تحمله نفسه الشفيفة من الألم، فالقصيدة تعد شكوى ومناجاة تكشف عن مشاعر مرهفة، وتحمل آثار رحلة الشاعر الزاهد السالك المتبتل في محراب المحبة الخالصة، ويقف فيها موقفاً من شدة الوله إلى حد معاتبة الناس له، ولكن شاعرنا لا يأبه بذلك فقد نذر نفسه في سبيل الحب والعشق، فكان أن صفت نفسه ورقت كلماته وتجلت تعبيراته، فالنص يكشف عن حالة وجدانية وتجربة فريدة لشاعر سلك طريق الزهد فعُرف به، وتأدب بأدب الإسلام وقيمه الخالدة، وعلى الرغم مما قدمه سمنون من نصوص خالدة في الحب، فإنه ظل يظن بأنه لم يبلغ شيئاً من التعبير عن تلك العاطفة السامية التي تجيش بصدره، فهو يقول: «لا يعبر عن شيء إلا بما هو أرق منه، ولا شيء أرق من المحبة، فبما يعبر عنها».
ولعل القصيدة قد اكتسبت أهميتها من كونها كانت سبباً في أن ينال سمنون لقب «المحب»، فصار يعرف به، فقد اشتهرت القصيدة بين الناس؛ ولأنها كانت عامرة بقيم الحب؛ فقد لقبوا سمنون بصفة المحب، فانفرد بهذا اللقب العظيم دون سائر شعراء التصوف؛ إضافة إلى ألقاب أخرى مثل إمام المحبين، وكل ذلك بفضل هذا النص والذي يقول فيه سمنون:
بكيت ودمع العين للنفس راحة
ولكن دمع الشوق ينكى به القلبُ
وذكرى لما ألقاه ليس بنافعي
ولكنه شيء يهيج به الكرب
فلو قيل لي من أنت قلت معذب
بنار مواجيد يضرمها العتب
بليت بمن لا أستطيع عتابه
ويعتبنى حتى يُقال لي الذنب.
لقد رفعت القصيدة من شأن صاحبها وتوجته في مقام سام رفيع، فهو نص يفيض محبة، وهو انسياب من التدفق العاطفي، يلامس شغاف القلوب، ويحكي عن شاعر ومتصوف سار في درب الحب وطريقها الحافل بالجمال، وهذا ماعاش عليه سمنون حياته كلها، وبالمقابل فقد كان شاعرنا شديد التأثير على مستمعيه، فهو إن سار في طريق السالكين زاهداً متواضعاً إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أنه لم يعتزل العامة، وكانوا يستمعون إليه بحب شديد ويحفظون كلماته وأشعاره عن ظهر قلب، فقد كان يخطب فيهم في الأسواق والشوارع يحرضهم على المحبة والتجربة الصوفية، وعلى ترك الملذات وهوى النفس والسير في طريق الله ومحبته، وكان ذلك الحديث يجد صدى كبيراً بين الناس، فهو صادر من قلب درويش عاشق ظل يحمل راية الحب العظيمة حتى لحظة وفاته، فكان أن شيعته العامة ووارت جسده الثرى في بغداد بقرب من أحب من كبار شيوخ الصوفية من أمثال: الجنيد، وأبو الحسن السري القسطي، ومحمد بن علي القصاب، ويظل اسم سمنون يردد حتى لحظتنا الراهنة كواحد من شعراء الحب والعشق الصوفي، فهو حالة فريدة في التصوف الإسلامي، وكذلك تظل قصائده وأشعاره هي شهد الكلام وعذبه ينهل منها الناس في كل لحظة.